عبد العزيز الدريني

29

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

الفصل الرابع في الفكر الحمد للّه الذي تقدس في أزليته وأبديته وأحديته « 1 » عن النظير والشبيه ، وتنزه في جماله وجلاله وكماله عن مقالات أهل التمويه ، الغنىّ عن جميع خلقه ، فلا أمد يحصره ، ولا أحد ينصره ، ولا ضياء يظهره ، ولا حجاب يخفيه ، الواحد الأحد القدوس الصمد الذي لا شك فيه ، شهدت بكمال قدرته عجائب صنعته ، فكل ما سواه موجده ومدبره ومنميه ، الحي العليم القدير السميع البصير الملك الكبير فلا مقرب لمن يبعده ، ولا مبعد لمن يدنيه ، المتكلم بكلام قديم أزلي جلّ عن التكييف ، ومن عطل أو شبه فقد وقع في التيه ، حبب للمؤمن إثبات صفات الكمال والعجز عن إدراك الجلال فهذا القدر يكفيه . ومن رام الوقوف على غاية أو ظن المعرفة لها نهاية فقد تعدى طوره ، و « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » . أما المصنوعات فللنظر فيها مقنع ، وأما خطيب الوجود فقد بلّغ وأسمع ، وأما وقوفك حيث أوقفك مولاك فأسلم وأنفع ، ردد نظرك في آلائه فهي آلات التنبيه ، السماء قبة مرفوعة فيها

--> ( 1 ) الأحدية : أخذت من الأحد ، والأحد هو اللّه سبحانه ومنه قوله تعالى : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) . والفرق بين الواحد والأحد من ثلاثة وجوه : الوجه الأول : أن الواحد يدخل في الأحد . والأحد لا يدخل فيه الوجه الثاني : أنك إذا قلت فلانا لا يقاومه واحد جاز أن يقال ولكنه يقاومه اثنان . الوجه الثالث : أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد يستعمل في النفي ، نحو ما رأيت أحدا فيفيد العموم .